هشام جعيط
175
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
يخضع لعقلانية هندسية . وتنطبق هذه الدوافع الثلاثة بصورة فريدة على العرب الذين خرجوا من بلادهم وبنوا الكوفة الأولى : التهيؤ للتقبل ، وصورة المعسكر ( لا بالمعنى الذي جعل المعسكر يتحول من ذاته إلى مدينة ، كما رأينا ذلك ) ، وجدة الإنشاء . لم يكن مخططوهم يشعرون أنهم كانوا يصنعون البابلي الجديد والهليني والفارسي والروماني ، لكنهم غرفوا ، غير واعين ، من تراث أفكار دون أن يكون لهم تصور مرئي واضح . ولربما يتم استيقاظ الجانب الأكثر مسخا من الماضي ويتم رجوع العتيق إلى الوجود ، حين يخلق الجديد إذ هي فرصة لا تعوض بالنسبة إليه ، ليرجع بقوة . وهكذا حدث وثوب فوق العصور الساسانية في اتجاه بابل وربما في اتجاه الهلينية ، وقد امتزجتا امتزاجا مبهما ضمن تراث مشترك . هكذا فعل الرومان الذين خطوا مدنهم بالمحراث تخطيطا شعائريا « 1 » ، إذ كانوا يرددون دون علم به ، تقليدا أتروسكيا نابعا من أعماق الجذور الشرقية لهذا الشعب « 2 » . فمن الممكن أن احتفظت الجزيرة العربية بفضل اتصالها بالشرق بمحاولات عتيقة تخلى الشرق نفسه عنها ، وذلك بالضبط لوضعيتها الهامشية عنه . إن الفرس والرومان شعبان وريثان . لقد اعتمدا أصلا نماذج مهيئة في بوتقة الحضارات التي خضعت لهما ، لكن دون أن يخلو ذلك من زاد أصيل . من هنا انتشار هذه النماذج انتشارا ممتازا ، ومن هنا حدثت تركيبات وانحرافات . لكن لم يجر اللحاق بالركب أبدا . حين صمم الفرس القاهندز - يعني القلعة المركزية المحصنة - وأبدعوا فيها ، فقد توسعوا بذلك في النموذج العتيق الآشوري - البابلي - الجديد في السوس كما في همذان ، وفي إصطخر كما في بابل التي جددوا بناءها ، لكنهم عدلوا في طيسفون وفي درابجرد عن الشكل المربع لصالح الشكل المستدير المستمد من إرثهم بالذات ، أو من ارث « الأورارتو » ، أو لعل الأمر تعلق برجوع النمط المصري أو الشامي الأناضولي . وكذلك الرومان فإنهم روجوا في الشرق نموذج المدينة الهلينية التي صارت مثالهم الأعلى « 3 » . لكنهم لم يوفقوا أبدا بأن يجعلوا من روما حاضرة مكتملة نظيفة مضاءة « 4 » متسقة ، كما كانت أنطاكية . إن انتظام المدن الرومانية خارج إيطاليا مقتبس من التقليد الهلينستي في الشرق ، ومن التقليد الأتروسكي في العالم الغربي . وعلى هذا النحو لم يقم الفرس والرومان كل في ميدانه بعمل ابتكاري
--> ( 1 ) Mumford , p . 267 . ( 2 ) Le ? on Home , p . 24 ؛ ويرى ارنست بلوخ « أن المعمار الرّوماني أخذ عن الأتروسك الصبغة الهندسية الكوسمية . . وبعد قرن من Vitruve رجع المعمار الروماني إلى التراث الهندسي الكوسمي للأتروسك » : . Ernest Bloch , Ouvr . cit . , p . 341 . ( 3 ) Mumford , pp . 256 ff . ( 4 ) Le ? on Homo , p . 582 .